أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

387

شرح مقامات الحريري

إلى أيلة ، فهي مسيرة أربعين ليلة . وافتتحت كلها في خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، على يدي عمرو بن العاص بن وائل السهميّ . ولما افتتحت مصر ، أتى أهلها إلى عمرو ، فقالوا له : أيها الأمير ، إن لنيلنا هذا سنّة لا يجري إلا بها ، فقال لهم : ما ذاك ؟ فقالوا له : إذا كان اثنتا عشرة ليلة تخلو من بئونة من أشهر العجم ، عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها ، وحملنا عليها من الحلي والحلل أفضل ما يكون ، ثم ألقيناها في النيل . فقال لهم عمرو : إن هذا لا يكون في الإسلام ، وإن الإسلام يهدم ما قبله . فأقاموا بؤونة وأبيب ومسرى - وهي أسماء ثلاثة أشهر للقبط - لا يجري النيل فيها لا قليلا ولا كثيرا ، حتى همّوا بالجلاء منها . فلما رأى ذلك عمرو بن العاص كتب بذلك إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه . فكتب عمر بطاقة ، وكتب إلى عمرو : إني بعثت إليك بطاقة فألقها في النيل . فأخذ عمرو البطاقة فإذا فيها : من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر ، أمّا بعد ، فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر ، وإن كان اللّه الواحد القهار ، هو الذي يجريك ، فنسأل اللّه الواحد القهار أن يجريك . فألقى البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيوم وقد تهيّأ أهل مصر للجلاء ، فلمّا ألقى البطاقة في النيل أصبحوا يوم الصليب . وقد أجراه اللّه تعالى ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة ، فقطع اللّه تعالى تلك السنة السوء من أهل مصر . قال ابن جبير : ومدينة مصر كبيرة عامرة ، مختلفة الأسواق من المدن التي سارت بأوصافها الرّفاق ، وهي على شط النيل ، وعلى النيل في مقابلتها قرية كبيرة الشأن ، كثيرة البنيان ، تعرف بالجيزة ، وتعترض بينهما جزيرة فيها مساكن حسان وعلاليّ مشرفة ، وهي مجتمع لهو أهل مصر ومنتزههم ، وبينها وبين مصر خليج يذهب بطولها نحو الميل ، ولا مخرج له . وبالجزيرة جامع يخطب فيه . [ مقياس النيل ] ويتصل بهذا الجامع المقياس الذي يعتبر فيه قدر زيادة فيض النيل كل سنة ، وابتداؤه من شهر بئونة ، ومعظم انتهائه أغشت وآخرها أول أكتوبر . والمقياس : عمود رخام سمّر في موضع ينحصر فيه الماء عند انتهائه إليه ، وهو مفصّل على اثنتين وعشرين ذراعا ، وكل ذراع مفصلة على أربعة وعشرين قسما أقساما متساوية تعرف بالأصابع ، فإذا استوى الماء تسع عشرة ذراعا في الفيض ، فهي الغاية عندهم في طيب العام ، وربما كان الماء فيها كثيرا لعموم الفيض ، والمتوسط ما استوى سبع عشرة ذراعا وهو أحسن ممّا زاد عليه . والذي يستحق به السلطان خراجه ست عشرة ذراعا فصاعدا ، وعليها تعطى البشارة للذي يراقب الزيادة في كلّ يوم ، ويعلم بها مياومة ، وإن قصر عن ست عشرة فلا يجيء